"خرابيشنا" والواقع ..!!
أنس أبوسعده - هولندا
أنس أبوسعده - هولندا
الكثير منا لا يحلم، وإن حلم أحدنا فاحلامه عادة ما تكون مجرد صور غير صافية لأشخاص ووجوه يعرفها أو غريبة عنه.. تدور أحداثها في مواقع وأماكن لا يربطها رابط سواء جغرافياً أو زمنياً ولا حتى واقعياً في أحيان كثيرة..! وعندما يستيقظ لا يتذكر منها الاّ القليل الذي لا يكفي لسردها لاحد أو ليحاول تفسيرها عند مفسر للاحلام..! هي كما "خرابيش" الاطفال تحتاج الى مختص ليفهمها أو يحل رموزها وما وراءها..!
من يتعمق بالواقع الفلسطيني هذه الايام سيجده وبكل تأكيد مشابه لهذه الاحلام والخرابيش إن صح التعبير..؟! هنا أقصد الواقع السياسي والافق الذي لا يستطيع أحد الإمساك بأول خيطه بعد أكثر من ستين عاماً على نكبة فلسطين عام 1948م..
بالتأكيد سيعارضني الكثيرون في ذلك معلليين بانه وبعد إنتقال الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي ومنذ أوسلو عام 1993 م الى الخطاب السلمي الواضح والاستراتيجي انشئت سلطة وطنية لأول مرة واخذت لها موطئ قدم ولو على جزء من الارض الفلسطينية .. هم أيضا يؤكدون على موقفهم هذا بانه ولأول مرة أيضاً يحصل إجماع فلسطيني ومن معظم الفصائل المؤثرة والكبيرة على الساحة الفلسطينية على تشكيل نظام ديموقراطي بمؤسسات سيادية كالمجلس التشريعي والحكومة وقيادة السلطة.. برهانهم على هذا الاجماع هو دخول كل الفصائل تقريباً في وقت ما في الانتخابات والتي هي نتاج لاتفاقيات التسوية سواء في مدريد أو أوسلو أو في غيرهما، وهذا ضمنياً موافقة على كل استحقاقاتها وتوابعها..
هذا من وجهة نظر المدافعين عن هذا الافق والمستقبل الذين يرونه باعينهم قريباً رغم الكثير من الاعترفات عن تشاؤمهم في الكثير من الاحيان..! هذا جميل نظريا لو لم نتمعن قليلاً بالافق الذي يريده الانسان الفلسطيني العادي وفي كل أماكن تواجده.. الانسان البسيط قبل الانسان القيادي يتطلع الى افق يرى نفسه فيه بعد هذه السنوات الطويلة من النكبات والنكسات مواطناً يضع قدميه على أرض ثابته لا تقضم في كل نهار حتى وإن كانت هذه الارض المحدده بحدود العام 1967م.. يلمس أنه يملك سيادتها براً وبحراً وجواً ويكون فيها حراً معنوياً ومادياً في بناء مؤسساته الوطنية بدون معوقات ولا قيود..
هذا هو حلم كل إنسان عربي وفلسطيني كحد أدنى.. وهو يراود الطفل ما أن يدرك ما حوله والشيخ حتى إنتقاله الى البارئ سبحانه وتعالى.. ولكي يثبت الفلسطيني حبه للسلام واختياره للوصول الى هذا الحلم المتواضع كان من أكثر المؤيدين للمبادرة العربية للسلام التي اطلقها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت عام 2002م..
السؤال الكبير بقي على السنة الكثيرين: هل من أمل أن يتحقق هذا الحلم في المدى المنظور..؟ وهل هناك ما يوحي على الواقع بان حلمنا هذا ليس كالخرابيش التي نراها في نومنا..؟
لنعد الى الواقع، ليس الى واقعنا نحن الذي لا يحتاج الى شرح اكثر مما سبق.. الواقع الذي وضعنا فيه بيضنا كله في سلة واحدة وهي سلة حسن النوايا..! ما لا بد أن ننظر اليه وبامعان هو الواقع الذي يفرضه الاحتلال ويفصّله هو ويريدنا والعالم أن نلبسه حتى وإن لم يكن على مقاسنا ومقاس طموحاتنا وأحلامنا.. !! الواقع الذي جعل من المستحيل خلق تواصل جغرافي منطقي بين اي جهة واخرى ضمن اراضي العام 1967م هذه.. ولا حتى ما بين مدينة القدس المحتلة – عاصمة وبؤرة هذا الحلم والمدن الفلسطينية الاخرى.. الواقع الذي سيطر فيه الاحتلال على جزء كبير من اراضي الضفة الغربية سواء بتحويلها الى مناطق عسكرية أو بزراعة المستوطنات الشرعية كما يدّعي والعشوائية منها والتغير الديموغرافي في هذه المناطق..!! الواقع الذي اعادنا للتحكم فقط ادارياً في النواحي الصحية والخدماتية والتي عادة ما كانت عبئاً على ميزانية الاحتلال، وأمسك هو بالامور الامنية ومصادر المياة والامور السيادية وغيرها..!! والغريب ان هذا الواقع أصبح يصب في مصلحة الاحتلال بشكل كامل وفعال خاصة بعد توقيع اتفاقيات التسوية أكثر من قبلها..!!
كل هذه الوقائع وغيرها يؤكد أن للاحتلال رؤية أخرى وأفق يراه لنا غير الافق الذي يتراءى لنا نحن ويراه من يدافع لحد الان عن الخيار السلمي قريبا جداً.. أفق بدأت بوادره تظهر بطلب حكومة الاحتلال من العالم والفلسطينيين بالذات الاعتراف بيهودية كيانهم الذي يكّون الفلسطينيون العرب فيه خُمسه على الاقل..!! كما بدأت بوادره بقائمة الشروط الطويلة وتكثيف الاستيطان للقبول باستئناف المفاوضات من جديد...!!
ما نخشاه هو أنه بعد بضع سنوات من اليوم وبعد كل هذه الممطالة والمراوحة والشروط يأتي الاحتلال ليفرض شروطاً جديدة اصعب من سابقاتها وليس بالغريب او المفاجئ إن قرر أن يفرض شرطاً وهو أن يعطي الفلسطيني الولاء للاحتلال كي يسمح لنا بالبقاء في بيوتنا واماكننا..! هذا هو الواقع والافق الذي يريده لنا الاحتلال وهو واضح وجلي له وليس كأفقنا وواقعنا الذي نخشى أن يبقى كخرابيشنا التي نراها في مناماتنا..!!